أبي منصور الماتريدي
361
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وَيَبْغُونَها عِوَجاً . أي : طعنا وعيبا فيه ، دلّ هذا على أن الآية في الرؤساء منهم والقادة الذين كانوا يصدون الناس عن سبيل الله ويبغون في دين الله الطعن والعيب ؛ فما وجدوا إلى ذلك سبيلا قط . وقوله - عزّ وجل - : أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ . الضلال : يحتمل وجوها : يحتمل : ( الضلال ) : أي : هلكوا هلاكا لا نجاة فيه قط . ويحتمل الحيرة والتيه ؛ أي : تحيروا فيه وتاهوا حتى لا يهتدوا أبدا . ويحتمل ( الضلال ) البطلان ؛ أي : في بطلان بعيد ؛ حتى لا يصلحوا أبدا ، وهو في قوم علم الله أنهم لا يهتدون أبدا ؛ ويختمون « 1 » على الضلال ، والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 4 إلى 8 ] وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 4 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 5 ) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 6 ) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ( 7 ) وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 8 ) وقوله - عزّ وجل - : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ . لو كان غيره من الكتب أرسلت بغير لسان الأمم لكان هذا الكتاب يجب أن يكون مبعوثا بلسان قومه ؛ لأنه جعل هذا الكتاب نفسه حجة وآية لرسالته ؛ لأنهم يعجزون عن إتيان مثله ؛ وهو كان بلسانهم ؛ ليعلموا أنه [ جاء من الله ] « 2 » ؛ إذ لو كان من اختراع الرسول - لقدروا [ هم ] « 3 » على اختراع مثله ؛ لأن لسانهم مثل لسانه ، فإذا عجزوا عن إتيان مثله - دلّ أنه منزّل من الله تعالى لا من عند الخلق . ثمّ يحتمل قوله : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ وجوها : قال قائلون : هذا بعد ما اختلفت الألسن ؛ أرسل هذا وفيه أنباء أوائلهم الذين كان
--> ( 1 ) في ب : يجتمعون . ( 2 ) في ب : من الله جاء . ( 3 ) سقط في أ .